ابن تغري
23
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
وكان رحمه اللّه حافظ المشرق والمغرب ، أمير المؤمنين في الحديث ، انتهت إليه رئاسة علم الحديث من أيام شبيبته بلا مدافعة ، بل قيل أنه لم ير مثل نفسه ، قلت : وهذا هو الأصح . وكان عفا اللّه عنه ذا شيبة نيرة ووقار وأبهة ، ومهابة ، هذا مع ما احتوى عليه من العقل والحكمة والسكون والسياسة والدربة بالأحكام ومداراة الناس ، [ 87 ا ] قل أن يخاطب الشخص بما يكره ، بل كان يحسن لمن يسئ إليه ويتجاوز عمن قدر عليه . وكانت صفته رحمه اللّه ، ذا لحية بيضاء ووجه صبيح ، للقصر أقرب ، وفي الهامة نحيف ، جيد الذكاء ، عظيم الحذق لمن ناظره أو حاضره ، راوية للشعر وأيام من تقدمه وعاصره ، فصيح اللسان ، شجى الصوت ، هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة ، واقتفائه طرق من تقدمه من الصلحاء السادة ، وأوقاته للطلبة مقسمة تقسيما لمن ورد عليه آفاقيا « 1 » كان أو عنده مقيما ، مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للإفتاء والتصنيف . وأما مصنفاته « 2 » فنذكر ما نعرفه منها فإن أسماء مصنفاته مجلد كامل صغير الحجم ، فأول تصانيفه تغليق التعليق وصل فيه تعليقات البخاري « 3 » ، وهو كتاب نفيس ، قرض عليه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني وغيره ، وهو من تصانيفه الجليلة
--> ( 1 ) أفاق : أي يضرب في آفاق الأرض أي نواحيها مكتسبا - لسان العرب . ( 2 ) عن مصنفات ابن حجر انظر هدية العارفين ج 1 ص 128 - 130 ، وانظر المصادر التي ترجمت لابن حجر . ( 3 ) جاء في كشف الظنون « وله أيضا تغليق التعليق ذكر فيه تعاليق أحاديث الجامع المرفوعة وآثاره الموقوفة والمتابعات ومن وصلها بأسانيدها إلى الموضع المعلق ، فحذف الأسانيد ذاكرا من خرجه موصولا ، وسماه تغليق التعليق لأن أسانيده كانت كالأبواب المفتوحة فغلقت - كشف الظنون ج 1 ص 552 .